حان وقت التحرر من الزوم

25 November 2020 , Educational Issues

حان وقت التحرر من “الزوم”

نضال قسوم

تمّ، مؤخّراً، اختيار ) الإغلاق الشامل “Lockdown”) “كلمة عام 2020″ من طرف قاموس كولينز  Collins Dictionary. لم يكن ذلك مفاجئاً لأحد، باعتبار الآثار العظيمة لهذا الإغلاق في سنتنا هذه على الاقتصادات والتعليم وكل ّجزء من حياة الناس. أمّا ثاني أوسع كلمة انتشاراً هذا العام، في رأيي على الأقلّ، فهي “زوم / Zoom”، التي ركبت موجة (أو تسونامي) فيروس الكورونا وسرعان ما اجتاحت حياتنا فأصبحت كلمة مألوفة، بل دخلت مفرداتنا اللغويّة وصارت تستخدم كفعل، فيقول أحدنا مثلا “دعونا نزوم آخر هذا الأسبوع (نلتقي على زوم)”، وجرت على الألسن وشاعت في اللغة اليومية دون أن يقرّ ذلك معجمياً.

لقد حلّت “زوم”، منصّة التواصل بالفيديو عبر الإنترنت، محلّ “سكايب” Skype باعتبارها التطبيق أو البرنامج الافتراضيّ لاتّصالات الفيديو. وحال أن أصبح واضحاً أنّ كوفيد-19 وعمليات الإغلاق ستحوّل معظم الأنشطة البشريّة الى الإنترنت، تنافست منصّات مماثلة على حصّتها من ذلك في السوق.

وفجأة، إلى جانب زوم وسكايب، كان هناك “غوغل ميت” Google Meet (سابقًا Hangouts Meet و Hangouts Chat) وميكروسوفت تيمز Microsoft Teams وفصول غوغل Google Classroom وستريميارد Streamyard وريمو Remo وغوتو ميتنغ GoTo Meeting وسلاك Slack وبلوجينز BlueJeans وربما منصّات وبرامج أخرى أيضًا.

في جامعتي مثلاً، نستخدم Blackboard Collaborate (إصدار Ultra) للتدريس و Google Meet كمنصة احتياطية وللاجتماعات، لكنّني استخدمت معظم الأنظمة الأساسيّة الأخرى للاجتماعات والمحاضرات والمؤتمرات والمقابلات التلفزيونيّة واللقاءات الاجتماعيّة. وغني ّعن القول أنه كان لكلّ منها صعوبتها التعلّمية  وخصوصياّتها الغريبة.

يجب أن أعترف أنني استمتعت في البداية بنمط التدريس والاجتماعات والتدريب من البيت. ولكن سرعان ما تزايد عبء العمل والطلب على وقتي عبر الإنترنت بشكل كبير، وبدأت الجوانب السلبية لـهذا التواصل من خلال الشاشة تفرض نفسها.

في الواقع، بدأنا أنا وزملائي نفتقد الفصول الدراسية والحضور الفعليّ للطلبة، بل وافتقدنا لقاء الزملاء في الممرّات وغرف الاجتماعات. وقد ظهرت هذه المسألة جليّاً عندما تم استطلاع رأي الطلاب نهاية الفصل الدراسي الماضي، فقد قالوا إنّ أكثر ما افتقدوه عندما انتقلت الفصول إلى الإنترنت هو التفاعلات الشخصية في الفصول الدراسيّة، ولغة الجسد لدى الأستاذ، وما إلى ذلك من أجواء التفاعل الاجتماعيّ.

في غضون بضعة أشهر، وأحياناً خلال أسابيع قليلة فقط، بدأ الكثير منا يشعر بالاستنزاف بسبب “الزوم”. وبدأت المقالات التعليميّة والمدوّنات تناقش “إجهاد الزوم” وحتى “كآبة الزوم” و “كارثة زوم المصيرية”! والحال هكذا، لن أتفاجأ إذا طلب أحدهم “لقاح الزوم”، وأنا متأكد من أنه سيتم قريباً تقديم “حمية الزوم”، وربما حتى “الصوم عن الزوم”.

ثم إن الاجتماعات الدولية، التي تجمع أفراداً من شتى بقاع العالم، فقد صار من المعتاد الآن أن تعقد في ساعات مزعجة أحياناً، وذلك لاختلاف المناطق الزمنية للأفراد، فالجميع في البيت 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، ولا وقت محدّد “للدوام” وكأنّ الجميع في في الخدمة في أي وقت! وليس هذا خاصّا بالعمل فقط – إذ يتمّ الآن إجراء العديد من “التجمّعات” العائليّة والاحتفالات الدينية (خاصة العيدين) وحفلات أعياد الميلاد ولقاءات الأصدقاء بشكل روتينيّ عبر زوم – لكن مع مشاعر متضاربة.

فأولاً، نادرًا ما يكون الاتّصال ممتازًا لجميع المشاركين في مكالمة أو اجتماع. ثانيًا، حتى عندما يكون الصوت والفيديو جيدًا، يكون التواصل الإنسانيّ ضعيفًا للغاية، فالاتّصال البصريّ وتعبيرات الوجه ولغة الجسد، كلّ ذلك لا يظهر بوضوح. وليس غريباً ما ظهر في استطلاع للآراء حول ذلك، إذ قال المشاركون إنّ محادثات الفيديو جعلتهم يشعرون بالسوء، حيث كان الانطباع بعدها بأنّ روابط الصداقة والعلاقات الأسريّة ضعيفة وسطحيّة حسب ما يظهر من تلك الدردشات.

أمّا في التدريس، فالوضع أسوأ. فالتعليم أبعد ما يكون عن مجرّد إلقاء المحاضرات من مكان بعيد، إذ هناك الكثير مما يقدّمه التفاعل الحيّ في الفصول الدراسيّة. فمثلا، أنا لا أرى طلابي عبر الإنترنت وأنا أدرّس. لقد طلبت منهم تحميل صور في ملفاتهم الرقمية بحيث عندما يسألون سؤالاً أو حتى يكتفون بحضور المحاضرات، أرى صورة كل منهم فأحسّ أني أتفاعل مع شخص وليس إسمًا فقط، لكنّ معظمهم لم يفعل.

وفي موقف مشابه في ورشة عمل أجريتها على مدار عدة أسابيع مؤخرًا، طلبت من الجميع تفعيل كاميراتهم حتى نتمكّن جميعًا من رؤية بعضنا البعض، لكنّ معظم الفتيات قمن بذلك فقط خلال أوّل جلسة أو جلستين، ثم توقّفن، وأعتقد أن السبب هو ارتداؤهن ملابس غير رسميّة، دون التقيّد بالحجاب في البيت، وبالتالي لم يرغبن بالظهورعلى الشاشة.

وفي الواقع، هناك قضايا أوسع تتعلق بالخصوصيّة والسريّة وتخزين المعلومات في التواصل بالفيديو، خاصّة وأنّ الجلسات عبر زوم يتم تسجيلها بشكل روتينيّ. ودعونا نستذكر حوادث “قنابل الزوم”، حيث يقتحم بعض الحمقى الفصل الدراسيّ أو الاجتماع عبر الإنترنت، وإذا لم يتمّ اتّخاذ الاحتياطات، يقومون بنشر صور أو مقاطع فيديو غير لائقة. ونأمل أن هذه المشكلة قد تم حلّها الآن (بعد حالات جد مؤسفة).

ما نخشاه جميعًا هو أن يصبح “عالم الزوم” هذا هو الوضع الطبيعيّ الجديد. إذ تقوم عدد من الجامعات والشركات بدراسة اعتماد نماذج “مختلطة” من التدريس والعمل عبر هذه المنصّات، وذلك لخفض التكاليف. لكن عالم ما بعد كوفيد سيحتاج إلى التخطيط بعناية شديدة، مع أخذ الدروس المذكورة أعلاه في الاعتبار، بل ومعالجة مشكلات التواصل عبر الإنترنت فورًا.

وقد صارت العافية النفسية المرتبطة بالإنترنت مسألة جديدة مهمة تتزايد مناقشتها. فمثلا صارت اجتماعات الفيديو تشتمل على فترات راحة، وأحيانًا مع أنشطة استرخاء تتضمّن موسيقى أو تمارين جسدية أو فترات تأمّل قصيرة. لكن هذا يمكن أن يمثل سيفاً ذا حدّين. فكلما نجحنا في جعل ارتياد الزوم ودوداً، سهّلنا تحوّل التدريس والعمل عبر الشاشات الى واقع عادي بعد كوفيد.

نحن البشر نوع اجتماعيّ. نحتاج إلى تفاعلات مباشرة ووثيقة. إن التكنولوجيا مثل زوم يمكن أن تمثّل حلّاً بل ونعمة في فترات الطوارئ مثل هذا العام، لكنّ علينا بذل قصارى جهدنا لإضفاء الطابع الاجتماعيّ والإنسانيّ عليها، واستخدامها بطرق تذكّرنا بأهمية العلاقات الإنسانية المباشرة والوثيقة.

ترجمة أ. بسمة ذياب لمقال نضال قسوم الصادر في جريدة عرب-نيوز يوم الثلاثاء 24 نوفمبر 2020: https://www.arabnews.com/node/1767321