الهدف الأسمى للمشروع الفضائي الإماراتي الخاص بالرحلة إلى المريخ

25 July 2014 , Articles،  Educational Issues

أعتقد أن هذه المبادرة ليس هدفها الأساسي هو الوجهة، أي المريخ، بقدر ما هو الرحلة، أي تطوير العلوم والتكنولوجيا والتعليم في الدولة وفي المنطقة.

بقلم الدكتور نضال ڨسوم

غولف نيوز – 16 يوليو 2014 888552553

أصدرت رئاسة دولة الإمارات العربية المتحدة إعلانا مزدوجا مذهلا (قبل أسبوع) شمل إنشاء وكالة فضاء إماراتية وتنظيم مهمة غير مأهولة (بدون روّاد فضاء) إلى المريخ بحلول سنة 2021، أي بالتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس الإتحاد. وقد حمل البيان تصريحات للرئيس، سموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، أوضحت الغرض من هذه المبادرة الكبيرة: “بناء القدرات التقنية والفكرية الإماراتية في مجالات الطيران الفضائي، و الدخول في الصناعة الفضائية، والاستفادة من تكنولوجيا الفضاء بطريقة تعزز خطط التنمية في البلاد.” كما تحدث سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وحاكم دبي، عن رؤية عميقة للمشروع: “اخترنا التحدي الملحمي المتمثيل في الوصول إلى المريخ لأن مثل هذه التحديات تلهمنا وتحفزنا. فأي لحظة نتوقف عن خوض مثل هذه التحديات ستكون حتما لحظة توقفنا عن المضي قدما.”

هذا المشروع، بفترته المحددة بسبع سنوات، وهذه الكلمات تحديدا، ذكرتني بخطاب الرئيس الامريكي جون كنيدي “إلى القمر” الذي ألقاه سنة 1962: “لقد أقررنا العزم على النزول على سطح القمر قبل نهاية هذا العقد، لا لسهولة المهمة، بل لبالغ صعوبتها، ولأن هذا الهدف كفيل بتوجيه وقياس أفضل طاقاتنا ومهاراتنا… ونحن عازمون على رفع هذا التحدي…”

لكن بالإضافة إلى صعوبة هذه الخطوة، ربما يتساءل البعض عن السبب الذي قد يدفع دولة كالإمارات إلى إنفاق البلايين من الدراهم على هذا النحو، إلا إذا كانت هناك بعض المزايا الهامة والأهداف الكبرى التي من شأنها أن تخدم الدولة وربما تحدث تغييرا جوهريا فيها.

وفي الواقع تخفي المبادرة في طياتها العديد من المزايا الهامة والأهداف العظيمة. وقبل أن أعرض رأيي الشخصي بخصوص الهدف الأسمى وراء هذا المشروع، أود أولا ذكر – بإيجاز – أهم المزايا التي تجود بها البرامج الفضائية. عادة ما يقدم دعاة استكشاف الفضاء قوائم طويلة من “الفوائد العرضية”لتلك المشاريع، أي التقنيات التي نستخدمها الآن في الحياة اليومية والتي وضعت أصلا لبرامج الفضاء. وهي تشمل تقنيات طبية حيوية، وأنظمة التكنولوجيا الرقمية والتصوير، وأجهزة آلية (الروبوتات)، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتطبيقات في مجال الأرصاد الجوية والرصد البيئي، والاستشعار عن بعد، والكثير الآخر… فهناك، من دون مبالغة، المئات من مثل هذه التطبيقات المستلهمة من مشاريع الفضاء.

وعلى نطاق أوسع، تؤدي برامج الفضاء إلى تطوير القاعدة الصناعية للبحث والتطوير داخل الشركات المشاركة، وإلى خلق فرص عمل جديدة، مع توفر تدريب وتطوير في الكفاءات التقنية للقوة العاملة. كما يجدر بالذكر أن مشاريع الفضاء غالبا ما تسمح للشركات بدخول أسواق جديدة بمنتجات تظهر في المشروع، مثل البطاريات الخاصّة والألواح الشمسية خفيفة الوزن، الخ. علاوة على ذلك، من المهم أن نثمّن دور بعض البرامج الفضائية الوطنية في رفع مستوى المعيشة الوطنية على الصعيدين المادي والثقافي على حد سواء، وتجذير قيم التعاون الإقليمي أو الدولي.

لكن من وجهة نظري الخاصة، فإن الهدف الأهم من وراء هذه المبادرة الإماراتية يكمن في توجيه القطاع التربوي و الثقافي الى العلوم والتكنولوجيا عموما والفضاء والفلك خصوصا (مثل بعض المشاريع التي نعمل عليها في المنطقة، مثل بناء المراصد الفلكية). هذا، لأنه سيكون من شأن المشروع الفضائي أن يجذب الطلاب في الإمارات وبقية العالم العربي، وكذلك وسائل الإعلام، الى هذه المجالت، وهي كما يعرف الجميع حيوية لنهضة الأمة. وقد تحدث سمو الشيخ خليفة في هذا الشأن فكان قوله بمثابة إعلان للتحدي: “سنثبت أننا قادرون على تقديم مساهمات علمية جديدة للبشرية”.

إنّ أقل من عشرة في المائة من البلدان على وجه الأرض تحتضن برامج فضائية. ففي أغلب البلدان لا يستطيع الطلاب والأساتذة، ولا حتى العلماء، الحلم بأن يصبحوا روّاد فضاء أو علماء فلك أو مهندسي فضاء، فما بالك بتقديم مساهمات علمية جديدة للبشرية، والحال أنه يمكن الآن أن يغدو هذا الحلم حقيقة بالنسبة إلى الفئة الكبيرة من الشبان التي غالبا ما تتساءل: “كيف يمكنني أن أصبح أخصائيّ فضاء؟”

فقد أظهرت دراسة أجريت سنة 2003 أنه في العقد الذي تلى إعلان كينيدي وتحدّيه القمري، تضاعف عدد حملة الدكتوراه في الولايات المتحدة ثلاث مرات في العلوم الفيزيائية وارتقى إلى أربعة أضعاف في الهندسة. كما وجدت دراسة استقصائية سنة 2009 أن 50 % من العلماء المشهورين دوليا والذين تعددت منشوراتهم في مجلة الطبيعة “نيتشر Nature” (وهي واحدة من أرقى الدوريات البحثية في العالم) قد استمدوا إلهامهم في مسيراتهم كعلماء من برنامج الرحلة إلى القمر الذي وضعته الولايات المتحدة.

لذا، ينبغي للمرء أن لا يفاجأ بأن “ناسا” لديها 75 برنامج تعليمي للطلاب، من الروضة إلى الجامعة، بما في ذلك : برنامج “الوثبة نحو الفضاء Spaceward Bound)) الذي يقوم بتدريب الطلاب والمعلمين للفضاء من خلال استكشاف البيئات النائية والحادة على الأرض التي تشبه سطح القمر أو المريخ؛ وأكاديمية ناسا، وهو مشروع تنمية مكثفة للمهارات القيادية للطلاب الناجحين والمتحفزين على مدى عشرة أسابيع؛ وبرامج ومنح دراسية؛ وشهادة تدريب تعليمية لمدرسي العلوم. كما تتنوع باقي الأنشطة من بناء الصواريخ إلى غزو الفضاء الخارجي.

ولقد حفّزت مثل تلك البرامج الإستكشافية للفضاء الملايين من الشباب على الانخراط بحماس في العلوم والرياضيات والهندسة بهدف المشاركة في المشاريع التي لطالما ألهبت عقولهم. وقد شارك إلى حد الآن أكثر من مليوني معلم و 43 مليون طالب وطالبة من 49 بلدا في التجارب والأنشطة التربوية التي تتم مع محطة الفضاء الدولية.

وأنا أتمنى، بل أثق أنّ هذه المبادرة الفضائية التي أسست لها دولة الإمارات العربية المتحدة ستكون رافدا من روافد التعليم، و ستكون محل اهتمام وسائل الإعلام والجماهير، بشكل جوهري في برامج المشروع. إذ في تصوّري، ينبغي دعوة الطلاب إلى المساهمة بأفكار وتصاميم وتجارب ومهام وأهداف للمشروع، وذلك من خلال عرض منح بحثية وجوائز لأفضل ما سيقدّم. فقط تخيّلوا لو تمكنت مركبة المريخ الإماراتية من التقاط صورة مذهلة بواسطة كاميرا صممها طالب إماراتي أو إيجاد مركّبات عضوية أو ميكروبات باستخدام جهاز كان قد أعدّ من قبل عالم عربي.

وللتلخيص، أود إعادة صياغة جملة شهيرة والقول بأنني أعتقد أن هذه المبادرة ليس هدفها الأساسي هو الوجهة، أي المريخ، بقدر ما هو الرحلة، أي تطوير العلوم والتكنولوجيا والتعليم في الدولة وفي المنطقة.


ترجمة أ. أمل بن سعيد لمقال نضال قسوم الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الخميس 16 يوليو 2014:

http://gulfnews.com/opinions/columnists/main-objective-behind-uae-s-mars-mission-1.1362400