كيف يجب التعامل مع الشائعات العجيبة

7 December 2014 , Educational Issues

كيف يجب التعامل مع الشائعات العجيبة
نضال قسوم
غولف نيوز – 4  ديسمبر 2014
525022main_FAQ12
هل ستطلع الشمس من الغرب قريبا؟
هل ستغرق الأرض في ظلام دامس لمدة ثلاثة أيام كاملة خلال شهر ديسمبر هذا؟
هذه هي الأسئلة التي طرحت علي خلال الأسابيع الماضية، وقد صدرت من شائعات انتشرت كالنار في الهشيم على شبكات التواصل الاجتماعي. ما هي القصة؟

القصة الأولى هي كتالي: “أعلنت” ناسا بأن المجال المغناطيسي للأرض سينقلب قريباً، وبذلك سيصبح الشمال جنوباً والشرق غرباً؛ وهكذا ستطلع الشمس من الغرب! وفورا يتذكر الناس أن طلوع الشمس من الغرب هي إحدى علامات الساعة (يوم القيامة) الكبرى.ولكم أن تتصوّروا كيف أن هذه الشائعة لاقت اهتماماً كبيراً بين الجمهور وانتشرت أسرع من الشائعات المعتادة.

أما القصة الثانية فهي كتالي: “أعلنت” ناسا (صيغة “أعلنت ناسا” هذه تعطي مصداقية لأي “معلومة”) بأن نشاط الشمس القوي مؤخراً، الذي سيصادفه اصطفاف خاص مع الأرض يوم 21 ديسمبر سينتج أكبر ظلام في تاريخ الحضارة البشرية، بحيث أنّ الجسيمات المشحونة الآتية من الإنفجارات الشمسية ستُعطلّ خطوط الكهرباء على الأرض والأقمار الصناعية في الفضاء. (ولعلكم تذكرون أنه، قبل عامين، كان 21 ديسمبر تاريخا خاصا لنهاية عالم أخرى، تلك التي “توقّعها” تقويم المايا).

طبعا ليست هناك أيُّ صحة لأيِّ من هذه السيناريوهات، ولكن من المفيد مراجعة المعلومات العلمية الحقيقية التي قامت عليها هذه القصص.

في الحالة الأولى، لا بد لي من التوضيح بأن المجال المغناطيسي للأرض ينقلب في المتوسط كل نصف مليون سنة. ويرجع سبب ذلك إلى الاضطرابات الموجودة في تيارات المواد المشحونة كهربائيا داخل الأرض. وبالفعل، لدينا سجلات جيولوجية وأحفورية تظهر المجال المغناطيسي لكوكب الأرض في اتجاهات مختلفة عبر الحقب الجيولوجية. وهكذا حدثت انقلابات المجال المغناطيسي مئات، وربما آلاف المرات في التاريخ الجيولوجي لكوكبنا (عبر 4.5 مليار سنة). وحدث أخر انقلاب قبل 786000 سنة. وقد لاحظ الجيولوجيين مؤخراً ضُعفاً في المجال المغناطيسي الأرض، وبما أن الانقلاب قد تأخر عن أوانه، توقعوا واحداً خلال الألف سنة القادمة أو ربما في العشرة آلف سنة القادمة.

وأخذت الأمور منعطفاً مثيرا في حزيران الماضي عندما أظهرت قياسات جديدة من أقمار صناعية لوكالة الفضاء الأوروبية بأن الضعف في المجال المغناطيسي أخذ في التسارع، فهو يتناقص بمعدل 5 في المائة في عشرة سنوات بدلاً من القرن، ما تم تحديده سابقا. ولذا، يمكن أن يحدث انقلابٌ في السنوات المئة المقبلة بدلاً من آلاف السنين.

وفورا ردَّدَت وسائل الإعلام بأن “المجال المغناطيسي للأرض قد ينقلب أثناء حياتنا”، واستنتج شخص ما (خاطئًا) بأن الشمس ستَطلُع قريباً من الغرب!

ولكن لا بد لي من التأكيد بأن الباحثين لم يقولوا أن المجال المغناطيسي سينقلب بالضرورة، فقط أن ذلك ممكن. ففي الواقع، تظهر السجلات الجيولوجية أنه في بعض الأحيان يضعف المجال ولكنه لا ينقلب. وإذا ما انقلب، تستغرق العملية حوالي القرن للإكتمال!

ولكن ماذا اذا انقلب؟ أليس المجال المغناطيسي يحمينا من الجسيمات الضارة المنبعثة من الشمس؟

الانعكاس لا يعني بالضرورة إختفاء المجال المغناطيسي تماماً اثناء الإنقلاب، إذ يصبح المجال مضطربا، مع ظهور أقطاب متعددة على كوكب الأرض. وعلاوة على ذلك، لا يُظهر السجل الأحفوري أية انقراضات ماضية موافقة لأوقات الإنقلاب المغناطيسي. من المعقول أن نتوقع لبعض الحيوانات الحساسة التأثر بضعف المجال المغناطيسي (العديد من الطيور سوف تفقد “بوصلتها الداخلية”)، ويمكن أن يكون بعض البشر أكثر حساسية من غيرهم للتغيرات المغناطيسية، ولكن من غير المرجح حدوث أي كوارث على نطاق واسع.

لكن بالعودة الى القصة الأصلية، هل عندما ينقلب المجال المغناطيسي للأرض، هل ستطلع الشمس حينها من الغرب؟

لن يكون ذلك صحيحاً إلا إذا تم تعريف الشرق والغرب على أساس الاتجاهات المغناطيسية. لكن علماء الفلك وجميع الناس تقريباً، يحددون الاتجاهات باستخدام مواقع النجوم والمجموعات النجمية من حولنا. ولكن بما أن دوران الأرض لن يتغير في أي انقلاب مغناطيسي، فإن الشمس ستظل تطلع من الشرق الجغرافي – لكن ليس المغناطيسي!

ففي الواقع، يجب أن نتذكر بأن شروق وغروب الشمس هو مجرد ظاهرة ناتجة عن دوران الأرض حول نفسها. وبالتالي، فإنه عندما يعكس المجال المغناطيسي للأرض قطبيه، لن يتأثر دوران الأرض، وستظل الشمس تشرق وتغرب بنفس الطريقة كالماضي.

أما حول القصة الثانية، فإن العلماء استنتجوا من أرصاد الشمس خلال القرون الأخيرة أنها تمُر بدورة من النشاط المغناطيسي مدتها 11-سنة. وبالتالي فإن توهجات وانفجارات تظهر على سطحها بطريقة شبه دورية. وقد وافق العامين الماضيين أوج النشاط الشمسي في دورتها الحالية. ولكن لن يحدث شيء خاص يوم 21 ديسمبر. بل إن النشاط الشمس صار يتناقص الآن، إضافة الى أنه لا يمكن تَوقُع اي انفجارات معيّنة، وبالتالي لا يوجد أحد يستطيع التنبؤ بأي انقطاع كبير للتيار الكهربائي أو تعطيل للأقمار الصناعية.

أصبحت الثقافة العلميّة أكثر وأكثر أهمية في هذه الأيام، مع انتشار “المعلومات” (وبعضها خاطئ) بسرعة أكبر من أي وقت مضى. وإذا لم يُزوَّد الجمهور بالمعلومات الأساسية التي تسمح بتصفية العلم الصحيح من الشائعات البرية، سنضيّع الكثير من الوقت والجهد والطاقة في تصحيح مثل هذه القصص. وعلاوة على ذلك، قد تُحدث مثل تلك الشائعات هلعاً في أوساط الجمهور (ولعلّنا نعتبر من جنون “نهاية العالم حسب” المايا عام 2012 )، و قد يلجأ الناس إلى حلول غير عقلانية (مثل شراء “منتجات” خاصة) التي من شأنها مساعدتهم على التعامل مع الوضع، على الأقل من الناحية النفسية.

لقد صار للعلماء والمربين والإعلاميين، أكثر من أي وقت مضى، دورٌ هام يؤدونه في جعل العلم ممتعاً لعامة الناس والعالم مفهوماً، لا مخيفاً.

ترجمة محمود عواشرة لمقال نضال قسوم الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الخميس 4 ديسمبر 2014:

http://gulfnews.com/opinions/columnists/how-to-deal-with-wild-rumours-1.1421842