Airplanes-Pollution-Global_Warming

2 July 2015 , Educational Issues

الطائرات والتلوّث والاحتباس الحراري

نضال قسوم

30 يونيو 2015
airplanes, pollution

الصيف موسم السفر. معظم الرحلات الجوية باتت محجوزة المقاعد، والكثير من شركات الطيران استأجرت طائرات إضافية للتعامل مع حشود المسافرين لتأمين مقاعد لهم، وصارت المطارات مكتظّة عن آخرها. ففي شهري يوليو وأغسطس، ستقلع أكثر من خمسة ملايين طائرة، أي بمعدّل 80 ألف رحلة يومياً، ما يعني أكثر من 30 مليون رحلة خلال سنتنا هذه. وفي العام الماضي كان هناك 3.1 بليون مسافر جوّاً في مكان ما على الأرض، هنا أو هناك.

وفي مسح أجري مؤخّراً، وجد أن واحدا من كل أربعة من المسافرين يحسّ بقلق شديد إزاء السفر الجوي. ومع ذلك، فإن تأثير الرحلات الجوية على بيئتنا ليس موضع اهتمام كبير لدى الناس، إذ إننا نادرا ما نفكّر بالتلوّث وغازات الدفيئة التي تضخّها الطائرات في الجوّ، وهي في الواقع مشكلة كبيرة كما سأوضّح تالياً.

فمن المتوقّع أنه بحلول العام 2020، سيتضاعف عدد رحلات الطيران من 30 مليون في سنتنا هذه ليصبح 200 مليون. وهذا يعني أن صناعة الطيران تحتاج لإنتاج خمس طائرات كلّ يوم، أي ما يقارب 10 آلاف طائرة جديدة خلال خمس سنوات لتلبي الحاجة الضخمة للسوق.

تنتج الطائرات حالياً 2.5 بالمئة من مجمل كمية ثاني أكسيد الكربون (CO2) التي يطلقها البشر في الغلاف الجوّي من جراء مختلف أنشطتهم. ربما لا يبدو هذا القدر بالشيء الكبير لكنه يمثّل 12 بالمئة من مجمل ما تطلقه وسائل النقل جميعها، بما في ذلك  كلّ السيارات والحافلات والقطارات. وتبلغ حصة كلّ مسافر على متن الطائرة من إنتاج ثاني أكسيد الكربون 140 غرام لكل كيلومتر، بينما ركاب السيارة ينتجون 100 غرام في كل كيلو متر (بشكل تقريبي، حسب متوسط عدد ركاب السيارة الواحدة ونوع الوقود، إلخ). أو بتعبير أكثر شدّا للانتباه، كل كيلوغرام من الوقود تستهلكه الطائرة ينتج 3 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون.

وحتى نكون منصفين تجاه قطاع الطيران، فإنه يتوجّب الإشارة إلى التحسينات المهمة التي تحقّقت في مجال تكنولوجيا الطائرات من أجل تقليص آثار انبعاثات الغازات الملوّثة. ففي الخمسين عاما الماضية، نقص معدّل التلوّث بالنسبة لكل مسافر بنسبة 75 بالمئة، وثلثا ذلك تحقّق خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. لكن مع التزايد المتسارع في حركة الطيران مؤخّراً، فإنّ التأثير الكلّي على الغلاف الجوّي صار أسوأ بل وأسرع، حيث ازداد إطلاق غازات الدفيئة بفعل الطائرات بنسبة 83 بالمئة عالمياً بين عامي 1990 و2012. ثم هناك عامل آخر يؤثّر سلباً في هذه المشكلة، وهو قِدم الطائرات، حيث تكون كفاءة احتراق الوقود و”نظافة” محرّكاتها قليلتين في الطائرات القديمة، ولا تستطيع شركات الطيران المتواضعة أن تجدّد أسطولها خلال فترات قصيرة.

وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن ثاني أكسيد الكربون ليس هو الناتج الضارّ الوحيد الذي يبثّه النقل الجوي، فاحتراق الوقود ينتج أيضاً أكاسيد النيتروجين التي لا تضرّ البيئة فقط (من خلال تفاعلها وإنتاجها للأوزون وهو من غازات الدفيئة أيضاً)، بل كذلك تشكّل بعض الأخطار الصحية للبشر. كما تطلق محركات الطائرات بخار الماء الذي يمكن رؤيته على هيئة ذيول تكثّف عالية في الجو خلف الطائرات، عندما يتجمع بخار الماء حول حبيبات الغبار التي تخرج من عوادم الطائرات.

وفي حين أن القوانين الدولية حول المقادير المسموح بها للطائرات في إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري والتلوّث هي دون المستوى المطلوب، فإنّ شركات الطيران وبعض المطارات قد بذلت جهوداً واضحة مؤخّراً. ففي معرض الطيران الدولي الذي عقد مؤخرا في باريس، قدّمت بعض شركات الطيران وعوداً لتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل مسافر بنسبة 20 بالمئة في غضون السنوات الست القادمة. وسيتحقق هذا بشكل رئيس عن طريق استخدام أنواع وقود أنظف يجري تطويرها أو هي تحت التجربة حالياً. وبينما تتجّه الأنظار نحو القمة العالمية للتغيّر المناخي التي ستعقد في ديسمبر القادم في باريس، فإنّ المنظمة الدولية للنقل الجوي قد بادرت بوضع أهداف عالمية طموحة: وقف تزايد إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تطلقها الطائرات بحلول عام 2020، وتقليص نسبة تلك الغازات إلى 50 بالمئة خلال السنوات الثلاثين التالية (مقارنة بمستوياتها في العام 2005). لكننا نعلم أن هذا لن يكون سهلاً، باعتبار توقع تضاعف عدد المسافرين ثلاث مرات، بل وربما أكثر، خلال عقود قليلة. ومع ذلك، فإن هذه الأهداف جيدة بلا شكّ. لأنه إذا بقينا مستمرّين على نفس الوتيرة فليس هناك مجال لتحقيق السيطرة على الاحترار العالمي بحيث لا يتجاوز درجة إلى درجتين بحلول نهاية هذا القرن.

وإذن، ما الذي يمكن ويجب أن نفعله ؟

أولاً، يجب أن نستثمر في الحلول التكنولوجية التي يمكن أن تحسّن كفاءة المحرّكات وأنظمة الطائرات وأوزان المواد التي تصنع منها الطائرات، وغير ذلك من الجوانب التقنية. ولا ننسى كذلك أن قطاع الطيران يعمل بجدّ لزيادة استعمال بدائل الوقود، خاصة ما يعتمد على الوقود العضوي (مثل الكيروسين العضوي). ومن الأمثلة على هذا ما حدث قبل سنتين عندما وقّعت شركة “إيرباص” عقداً كبيراً مع شركة البترول والكيماويات الصينية لتطوير مصنع لإنتاج وقود من هذا النوع. ويتم حاليا بناء هذا المصنع قرب شنغهاي، وسيكون مثيراً للاهتمام متابعة نوعية إنتاجه وكميته.

من ناحية أخرى، هناك بعض المنظّمات المدنية التي تطالب بفرض “ضريبة ثاني أكسيد الكربون”، في مسعى يجعل قطاع الطيران (وغيره) يدفع ثمن ما يسببه من أثر سلبي على البيئة. وترى تلك المنظّات أن انخفاض أسعار النفط هو الفرصة المثلى لتطبيق مثل تلك الضريبة، حيث أن شركات الطيران (وبالتالي مشتري التذاكر) لن يتأثّروا كثيراً.

أخيراً وليس آخراً، تسعى وكالات حماية البيئة لتوعية الناس حول أهمية استخدام وسائل النقل الأقل إساءة للبيئة. وكما ذكرت آنفاً، فإن الرحلة في السيارة تنتج مقداراً من ثاني أكسيد الكربون أقل بـ40 بالمئة مما تنتجه الطائرة لنفس المسافة. بل والأفضل من ذلك هو القطارالذي يتفوّق في هذه الميزة  بأربع أو خمس مرات، بينما الحافلة أفضل من السيارة بمرتين أو ثلاثة. وعليه، فربما يكون واحداً من أفضل الحلول هو تطوير قطارات بعيدة المدى وسريعة، وعلى الأقل فإننا بهذه الطريقة سنتعلّم أن نعيش بتأنّ أكثر ونستمتع بمناظر الطبيعة الجميلة…

ترجمة أ. بسمة ذياب لمقال نضال قسوم الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الثلاثاء 30 يونيو 2015: http://gulfnews.com/opinion/thinkers/air-planes-pollution-and-global-warming-1.1542655