COP21-Climate-Change-Conf

5 December 2015 , Educational Issues

المؤتمر الواحد والعشرون حول المناخ: حان الوقت لاتّخاذ قرارات تاريخيّة

نضال قسوم1439816093

يجتمع معظم قادة العالم بباريس حتّى العاشر من ديسمبر لمحاولة الاتّفاق على مجموعة من القرارات للسّيطرة على التّأثيرات المتزايدة للتّغيّر المناخي. ويمكن القول إن الكثير على المحك، لأنه إن لم تتخذ قرارات شجاعة، فإن المشكل سيستمرّ ليتفاقم بشكل مفزع. بالفعل، سيكون عام 2015 هو الأحرّ في سجلات المناخ العالمي، متخطّيا الرقم القياسي العالمي لدرجة الحرارة العالمية المسجّلة في 2014. ثم إن الجميع صار يلاحظ تزايد الظّواهر الجويّة القصوى (الجفاف، الأعاصير، الخ) من حيث تواترها وتوزّعها الجغرافي. فمثلا، متى كانت آخر مرّة ضرب فيها إعصاران كبيران اليمن خلال بضعة أسابيع؟

لكن قبل التّفكير في القرارات الشجاعة التي من المفترض أن تتخذ في هذا المؤتمر الكبير في باريس، دعوني أستعرض بشكل مختصر ماذا فعلت دول ومنظمات العالم تجاه المشكلة في الآونة الأخيرة.

المؤتمر الواحد والعشرون حول المناخ هذا (أو “مؤتمر الأطراف 21″) هو اللّقاء 21 لقادة الدّول الممثّلين للّجنة التنفيذية لاتّفاقية الأمم المتّحدة حول التّغير المناخي التي انبثقت من قمّة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992. في ريو لم يتم فقط إعلان التّغير المناخي كمشكلة عالميّة مستعجلة وجدّيّة، بل وأيضا قبلت الدّول المتطوّرة بمسؤولياتها التّاريخيّة عن الحالة الرّاهنة، من جراء إنتاجها لغازات الدّفيئة منذ الثّورة الصّناعيّة. لكنّ للأسف، قامت عدة دول متقدمة بالتراجع فيما بعد عن هذه المسؤوليّة التّاريخيّة، وتحوّلت هذا النقطة الى خلاف كبير.

وفي كل عام يجتمع قادة العالم (أو ممثّلوهم) لمراجعة مدى التقدم في تطبيق الاتّفاقيات حول التغيّر المناخي. وإن الاتّفاقيّة الأكثر شهرة هي بروتوكول كيوتو 1997، والتي انبثقت من المؤتمر الثّالث للمناخ، حيث تقرر أن تقوم الدول الـ55 الصّناعية التي تنتج 55% من انبعاثات ثاني اكسيد الكربون العالمي بتخفيض غازات الدّفيئة بـ 5% على الأقل خلال 10 إلى 15 سنة. للأسف فشل هذا البروتوكول، إذ رفضت الولايات المتّحدة التّصديق عليه، وانسحبت كندا وروسيا منه، أمّا الصّين التّي أصبحت أكبر منتج لغازات الدّفيئة فلم تشارك فيه أصلا.

في عام 2009، عقد المؤتمر الخامس عشر في كوبنهاجن، ومثل المؤتمر الحالي في باريس، شاركت فيه جميع دول العالم وحاول الخروج باتّفاق عالمي طموح وحقيقي يعوّض بروتوكول كيوتو ويسيطر على التغيّر المناخي من خلال فرض معدلات مقبولة من إنتاج الغازات المؤذية. لكن ثمة عدم توافق حول ما يمكن اعتباره مستويات مقبولة، إذ معظم المشاركين يتّفقون على “معقولية” معدّل زيادة درجتين في الحرارة العالميّة مقارنة بالعصور ما قبل الصّناعيّة، لكن آخرون (خاصة الدوّل المتأثّرة بشكل مباشر من المشكلة) يريدون تخفيض المستوى إلى 1.5 درجة مئوية. وللأسف، فشل مؤتمر كوبنهاغن هو الآخر في الخروج باتّفاقيّة دولية. وفي اللّقاءات السّنوية التي تلت حدد قادة العالم مؤتمر باريس 2015 كموعد كبير للوصول أخيرا الى اتّفاق. إذن نحن عند هذه النقطة الحرجة.

ماذا يمكننا أن نتوقّع إذن؟

أولا، في كل اللّقاءات العالمية الكبرى، حيث يكون القادة مشغولين بمفاوضات الدّقيقة الأخيرة، فإن مسودة الوثيقة العامّة تكون قد انجزت، وذلك بعد أن أرسلت أكثر من 150 دولة مساهماتها، أو وعودها بما ستقوم به خلال الفترة القادمة. فالاتّحاد الأوروبي على سبيل المثال وعد بتخفيض إنبعاثاته الغازية بنسبة 40% مقارنة بمعدّلاته عام 1990، بينما ستسعى الولايات المتّحدة لتخفيض انبعاثاتها بنسبة 26 إلى 28 بالمائة خلال عشر سنوات مقارنة بمعدّلات عام 2005. والأكثر أهمّيّة هي الوعود المنتظرة من الصّين، الهند، روسيا وإندونيسيا، التي تشكّل أربعة من الخمسة دول المنتجة لغازات الدّفيئة (وتمثّل الصّين والولايات المتّحدة نصف الإنتاج العالمي تقريبا لغازات الدّفيئة).

وقد تبدو بعض الوعود التي أطلقت (تخفيضات بنسبة 30 أو 40 بالمائة) طموحة، لكن الخبراء قد حذّروا من أنّ النّتائج المتوقّعة من كل المساهمات المعلنة قد تقودنا إلى احترار بثلاث درجات – بعيدا عن الدرجتين المئويّتين المرجوّة، ناهيك عن 1.5 درجة المطلوبة من بعض الدّول. وهذا مثير للقلق، فمع مثل تلك الزيادات، ستدمّر بعض الدّول بفعل الجفاف أو الفياضانات أو العواصف، في حين ستستفيد أخرى من زيادة قليلة في الأمطار.

وقد تحوّلت النّقاشات حول التغيّر المناخي في الغالب الى حوار طرشان: بعض المتابعين، النّاشطون الاجتماعيون والسّياسيون بالخصوص، يناقشون المسألة من النّاحية الأخلاقية، بينما يناقش الاقتصاديون وصنّاع القرار المشكلة من ناحيّة التّكلفة، في حين أن الخبراء يناقشونه من النّاحية العلميّة والتكنولوجيّة.

يصرّ النّهج الأخلاقي على أنّ لدينا واجبا تجاه مستقبل الأجيال لإيقاف المشكلة التي صنعناها، بدل التّخاصم حول من المسؤول الأكبر أو الأصغر أو حول المستوى المقبول من الحلول. بينما تقوم وجهة النّظر الإقتصادية على أنّ أي شيء نقوم به يحب أن يعرض من خلال مقارنة التكلفة مع الفائدة: فلا يتوّجب علينا الذّهاب إلى حل قد يكلفّنا (أو يضرّنا) في الحاضر أكثر من أن ينفع الأجيال القادمة في المستقبل. أمّا طرح العلميين والتّكنولوجيين فيذهب إلى تحريك العقول والموارد لإيجاد أفضل الحلول لهذه المشكلة بشكل جذري بدلا من المساهمات الناقصة والملتوية التي تعد الدول بالقيام بها. ويقول بعض المفكّرين الجادّين: لقد حان الوقت لنتحلّى بالجرأة والتّبصّر.

سيكون من المثير للاهتمام بشكل كبير التعرّف (قريبا) على الاتّفاق الذي سينبثق عن المؤتمر الواحد والعشرين هذا، وكيف سيتم تبيقه في المستقبل. نحن بالفعل على مفترق طرق من التاريخ الإنساني.

ترجمة أ. جهاد حسام الدين صوالح محمد لمقال نضال قسوم الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الخميس 3 ديسمبر 2015:

http://gulfnews.com/opinion/thinkers/cop21-time-to-take-historic-decisions-1.1630515