يَسْحرُ علم الفلك الطلبةَ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى

12 August 2020 , Educational Issues

يَسْحرُ علم الفلك الطلبةَ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى

نضال قسومMulti-Messenger Astronomy

شدّ المرّيخ انتباه الجميع خلال الأسابيع القليلة الماضية مع إطلاق ثلاثة مسابير، منها مسبار الأمل الإماراتيّ، نحو هذا الكوكب الأحمر. لقد اكتشف النّاس فجأةً كوكبًا ساحرًا، ذا شروق وغروب أزرقَين، وزوابعَ غباريةٍ يمكنها تغطية آلاف الكيلومترات، وغلافٍ جويٍّ رقيق يحوي كثيرًا من ثاني أكسيد الكربون وقليلًا من بخار الماء، ومياه سائلة جوفيّة ومسطّحاتٍ جليدية، وخصائص أخرى كثيرة. وإضافةً لذلك، دهشة العالم لما حمله مسبارُ الأمل والمسابيرُ الأخرى من مُعدّات متقدّمة جدّا.

نعم، لقد تغيّر علم الفلك كثيرا. لا تزال التّليسكوبات وسائلَ أساسية يستعملها الفلكيّون، لكن حتى غاليليو ونيوتن اللذان استعملا أوّل التلسكوبات الكاسرة والعاكسة، على التّوالي، سيندهشان لو اطّلعا على الوسائل المتقدمة التي نستعملها اليوم لدراسة الكون، حتى لرصد الكواكب المجاورة لنا مثل المرّيخ.

ربما يكون من المفيد هنا تقديم مراجعة سريعة لتطوّر علم الفلك ووسائله عبر التاريخ، حتى نأخذ فكرة عن المدى الذي بلغناه اليوم وعن توجّه العلم في هذا المجال.

أوّل ما ينبغي التّذكير به، باعتبار الفلك أقدم العلوم وأوسعها انتشارًا، هو استعماله للعين المجرّدة لرصد الكواكب والنّجوم على مدى آلاف السّنين، وصولاً إلى اختراع التّلسكوب في بداية القرن السّابع عشر. ثم إنشاء تلسكوباتٌ أكبر وأكبر، مكّنت من مشاهدة الأجسام السّماوية في تفاصيلها الدّقيقة وعلى مسافات أبعد.

أما الثّورة الموالية فحدثت في بداية القرن التّاسع عشر، عندما اكتشف الباحثون أنّ الضّوء الصّادر عن الشّمس والقمر وكذلك عن الكواكب والنّجوم يُمكننا نشره عبر موشور (قطعة زجاج تسمح بتفريق الألوان عند مرور الضوء عبرها) ثمّ القيام بتحليله (لبيان أيّ لون يطغى أو يُفقد من بين كلّ الألوان)، وبالتّالي استنتاج معلومات جدّ مهمّة عن الجسم السّماوي المرصود. بهذه الطّريقة التحليلية للضّوء، ما يسمّى ’علم الأطياف‘، تحوّل علم الفلك إلى فيزياء الفلك، إذ صار بالإمكان “فحص” الأجسام السّماوية (مكوّناتها، درجات حرارتها، إلخ.) من بعيد وليس فقط قياس مواقعها وحركاتها.

ويمكن اعتبار القرن العشرين قرنَ الفضاء، إذ مكّنتنا المركبات الفضائية من تخطّي الغلاف الجوّي للأرض ووضع أقمار صناعيّة حول الكوكب لتُزوّدنا بمعلومات ضروريّة ومهمّة عن الأرض وعن أيّ جرم آخر يمكننا تصويره. وأهمّ من ذلك كلّه يمكن للأجهزة التي تحملها الأقمار الصّناعية أن ترصد لنا أضواء غير مرئية، مثل الأشعّة السّينية والأشعّة ما تحت الحمراء والأشعّة ما فوق البنفسجية، والتي يمنعُ الغلافُ الجوّي أغلبَها من الوصول إلى الأرض. لقد أصبحنا اليوم قادرين على رصد الأجسام السّماوية بخصائصها، دون أن تحدّنا العين المجرّدة أوّ الغلاف الجوّي للأرض.

ومع حلول القرن الواحد والعشرين أضاف علم الفلك، ليس فقط الأضواء غير المرئية والإشعاعات، ولكن أيضا جسيمات مختلفة، ليُحوّل نفسه إلى علم الفلك “متعدّد الوسائط”. يمكننا اليوم الكشف عن الجسيمات الكونية والنيوترينوات (جسيمات يصعب الكشف عنها وتتطلّب كواشف تصل أحجامها إلى الكيلومتر لالتقاطها).

وإذا لم يكن ذلك مثيرا للإعجاب بما فيه الكفاية، فلنتذكّر أنّه قد تمّ اكتشاف الأمواج الجاذبية عامَ 2015 وذلك باستعمال ليزرات بطول أربعة كيلومترات! ومن أجل إدراك عظمة هذا الإنجاز، يكفي أن نذكّر أنّ ألبرت آينشتاين نفسَه، والذي تنبّأ بوجود هذه الأمواج، أشار باكرا إلى ضعفها الشّديد ممّا جعله يستنتج أنّ الكشف عنها لن يحدث في المستقبل المنظور. لكن اليوم لم يتمّ فقط الكشف عنها (ما يربو عن عشرين مرة في السنوات الخمس الماضية)، بل لدينا أيضا شبكة متكاملة من التّليسكوبات (مثل تلك التي أطلق عليها الاسم خفيف الظلّ GRANDMA وهي كلمة مختصرة لـGlobal Rapid Advanced Network Devoted to the Multi-messenger Addict  والتي تعني الشّبكة المتطوّرة السّريعة العامّة الموجّهة إلى مدمن تعدّد الوسائط) تساهم في علم الفلك الجديد هذا. باستعمال هذه الأجهزة ومعدّات أخرى يرصد الفلكيّون الأجسامَ والظواهرَ السّماوية باستعمال الضّوء، المرئي وغير المرئي منه، وكذلك الأمواجَ الجاذبيةَ والجسيمات الكونية والنيوترينوات.

ربما يبدو ذلك مجالا متقدّما جدّا ودقيقا يتعدّانا نحن وطلبتنا في منطقتنا العربية. لكن في الحقيقة لدينا طلبة، من الخليج إلى المحيط، يُساهمون الآن في الرّصد والاكتشاف عبر مثل هذه المراصد المتعدّدة الوسائط ويشاركون في المؤتمرات وينشرون أوراقًا بحثية.

أعلم بالتّجربة أنّ علم الفلك وعلوم الفضاء مجالٌ يسحر الطّلبة وعموم النّاس على حدّ سواء، ويجذبهم وبخاصّة عندما يُقدّرون الثراء والتنوع اللذين وصل إليهما هذا العلم. بل أكثر من ذلك، فإنّه يشعر الطّلبة بالإثارة أكثر عندما يُدركون أنّ بوسعهم العمل في الخطّ الأماميّ للأبحاث والمشاركة بجهودهم فعليّا.

علمُ الفلك ليس “النّظر في النّجوم”، أي تلك النظرة الرّومنسيةَ وغير النافعة التي يحملها الكثيرون عن هذا العلم، لا هو كذلك اليوم ولم يكن ذلك حتّى في الماضي. لقد أدمج علم الفلك مجموعة كبيرة من الأدوات التي تمكّنه من دراسة مواضيع وظواهر متعددة ومتنوعة، ابتداءً من سبر مياه المرّيخ الجوفيّة (باستعمال الرّادارات التي تحملها المسابير) وانتهاءً بالذّهب والعناصر الأخرى التي تنتج عند اندماج النجوم النّيوترونية على بعد مئات الملايين من السّنوات الضّوئيّة.

أصبح الكون — ومعه علم الفلك — أكثر سحرًا من أيّ وقت مضى وذلك بفضل إضافة معدّات جديدة وربط العشرات من المراصد على الأرض وفي الفضاء، وكذلك بفضل مساهمة الآلاف من الطلبة المتحمّسين والمتخصّصين عبر العالم. بل حتّى الهواة كثيرًا ما يقدّمون مساهمات قيّمة.

إن السّماء مفتوحة للجميع، وعلم الفلك أكثرُ روعةً ممّا نتوقع.

ترجمة الحسن بن زايد ومراجعة نضال قسوم للمقال الصادر في جريدة “عرب نيوز” يوم 3 أغسطس 2020:  https://www.arabnews.com/node/1713596