Social-Media-Respect

29 November 2017 , Educational Issues

كيف نجعل وسائل التواصل أكثر تهذّباً

نضال قسوم

أنا ناشط على الفيسبوك وتويتر منذ سنوات عديدة، وقد نشرت وغرّدت عشرات الآلاف من المرات. ولكني لاحظت أن في السنوات القليلة الماضية، أصبحت الردود والتعليقات في عالم التواصل الإجتماعي أكثر عدوانية بكثير مقارنة مع السنوات السابقة. ما الذي حدث وما الذي يمكن عمله حيال ذلك؟

أولا، علينا أن ندرك أن معظم الناس الآن صاروا مشاركين في الإعلام الاجتماعي وبشكل مستمر. الكلّ صار يملك هاتفاً ذكياً ذا جودة عالية، وبات الإنترنت متوفرا في كلّ مكان، إما مجانا (في مراكز التسوق والمطاعم والمطارات، إلخ) أو مقابل رسوم (من شركات الإنترنت والاتصال بالهواتف المحمولة). لذلك، صار بالإمكان للجميع التعليق “على الطاير”، دون التفكير كثيرا.

ثانيا، يريد الجميع اليوم أن يكون لهم “صوت”، أي أن يكونوا متميزين عن غيرهم في الآراء، وأن يكونوا محطّ الأنظار وذوي شعبية. لكن ذلك كثيراً ما يأتي مصحوباً بالجرأة وعدم الاحترام تجاه الأفراد والأمور المختلفة. إذ يعتقد الجميع أن الأشخاص الطيبين المهذّبين الذين لا يقولون أشياء “مثيرة للاهتمام” لا يهتمّ بهم أحد !

ثالثا، على وسائل الإعلام الاجتماعية، كثير من الناس يتخفّون وراء أسماء غير حقيقية، ولا تحتوي ملفاتهم التعريفية معلومات دقيقة عنهم. وإبقاء هويّتهم مجهولة يحرّرهم من المساءلة، وهذا غالبا ما يؤدي إلى استسهالهم للتمادي والعدوانية وإطلاقهم إهانات وتعبيرات لن يُعرف مُرسلها.

وجدت دراسة استقصائية أجريت مؤخرا أن 53 في المئة من التعليقات المجهولة هي غير متحضّرةز وقد وصف علماء النفس هذه الظاهرة بـ”الفعل الانفلاتيّ على الإنترنت”. وعلاوة على ذلك، وبما أنّ مقاطعة المتحدّث غير ممكنة على الإنترنت، فإنّ المعلّقين العدوانيين غالبا ما يسترسلون في حديثهم المؤذي والخادش، وهو الأمر الذي لا يحدث في الحياة الواقعية، حيث يتم مقاطعة الناس لبعضهم وخاصةً عند احتدام الجدال.

رابعا، على وسائل التواصل الاجتماعي، يكون الناس “على مسافة” ممن يتحاورون معهم، فلا يعرفون الشخص الذي يردّون عليه. و قد يزيل هذا كثيراً من الضوابط الأخلاقية أو ضبظ النفس تجاه الآخرين. فإذا التقيتُك وجهاً لوجه، سأرى سماتك الإنسانية ونقاط القوة والضعف لديك، وربما أعرف تاريخك، وسأكون، تلقائياً، أكثر احتراما لك مما لو لم أكن قد التقيت بك سابقاً وعرفت عنك بعض الأشياء.

أتذكّر عندما أخذت برنامجا تدريبيا للتعليم عبر الإنترنت، إحدى القواعد الأولى التي تعلّمناها كانت: “عند القيام بالردّ على زميل(ة) افتراضيّ(ة)، اسأل نفسك، قبل نشر ذلك، عما إذا كنت ستقول له/لها ذلك وجهاً لوجه… فإذا لم تكن ستفعل، فلا تنشر ذلك الرد”. وهناك قاعدة مهمة أخرى هي: “تذكّر أن النبرة القاسية غالبا ما تشتت انتباه قارئك عن حجّتك؛ إذا كنت ترغب في إقناع شخص ما، فاخفض نبرة خطابك”.

ولقد نما في الآونة الأخيرة شكل متطرف من هذه العدوانيّة على الإنترنت، سمّي بـ”ظاهرة التنمّر” (trolls). المتنمّرون هم شخصيات على الإنترنت يتخصّصون في استهداف الناس بشكل شرّير لسبب أو لآخر. ويمكن أن يشمل ذلك التهديدات البدنية أو الاجتماعية (الاغتصاب أو الضرب، اختراق ونشر الخصوصيات، وما إلى ذلك)، ولا سيّما تجاه المراهقات والشابات. وقد أدّى ذلك إلى عدد من حالات الانتحار والاكتئاب والانسحاب من وسائل التواصل الاجتماعي. وقد وجدت الدراسات الاستقصائية الأخيرة أن 70 في المئة من اليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عاما قد تعرّضوا لمضايقات على الإنترنت.

ومع أنني لم أتعرّض للتهديد بأيّ شكل من الأشكال على الإنترنت، لكن يمكنني أن أشهد أنّ الإهانات والمنشورات الهجومية نمت بسرعة وبشكل كبير في العامين الماضيين. ففي السنوات الخمس الأولى من نشاطي على الإنترنت، لم أقم بحظر أيّ شخص (من عشرات الآلاف من المتابعين)، ولكن في الأشهرالقليلة الماضية فقط، اضطررت الى إيقاف أكثر من 10 أشخاص كانوا مسيئين جداً وأصرّوا على مواصلة تصرّفاتهم رغم التحذيرات.

ماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟

يتفق علماء النفس وعلماء الاجتماع المتخصّصين في السلوك على وسائل التواصل الاجتماعي على أهمية عدم الانخراط في السجال مع أولئك العدوانيين. صحيح أنه يصعب غالبا الاحتفاظ بالهدوء والصمت عند تلقّي إهانة، وكذلك يصعب تجاهل التعليقات الهجومية، لكن أكثر ما ينبغي على المرء أن يفعله هو تحذير المرسِل من أنه سيتم حظره إذا لم يوقف سلوكه السيء ذاك.

وهناك توصية أخرى، تأتي أيضا من دراسات استقصائية للسلوك عبر الإنترنت، وهي القيام بأعمال حسنة عبر الشبكة العنكبوتية، مثل التبرّع بكتاب أو شيء ذي قيمة للأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على ذلك، أو تقديم أيّ نوع من المساعدة. وقد تبين أن هذا يشجع الآخرين على العمل بطريقة مماثلة، سواء على الإنترنت أو في “العالم الحقيقي”. فالخير يجرّ الخير والحسنة بعشرة أمثالها. إن أفضل طريقة للقيام بأعمال الخير هي جعل الآخرين يقتدون بعملكم الخيّر. وإن ثقافتنا مليئة بالأمثال والتوجيهات التي تعزّز فكرة أنّ الأعمال الخيّرة هي أفضل طريقة لمنع السلوك السيء، وهذا ينطبق على عالم الإنترنت أيضاً.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عالما موازيا لعالمنا الحقيقي، فمعظم الشباب يقضون من الوقت مع “أصدقائهم” الفيسبوكيين أو مع متابعيهم على تويتر وإنستاغرام أكثر مما يقضون مع  والديهم أو معلّميهم. إن هذا النمط من التفاعل يمثّل ديناميكية جديدة، والتي من شأنها أن تصبح مؤذية ومُكئبة بل وحتى خطرة.

نحن بحاجة إلى فهم هذه البيئة الاجتماعية بأعمق ما يمكن ودمجها مع توجيهاتنا وإعداداتنا التربويّة لأولادنا، حتى لا تجتاحهم وتطوّح بهم عواصف عالم الإنترنت ومخاطره.

ترجمة أ. بسمة ذياب للمقال الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الخميس 23 نوفمبر 2017:

http://gulfnews.com/opinion/thinkers/making-social-media-more-respectful-1.2128935