كيف نجعل الصيف مفيداً للطلاب والمعلّمين

11 June 2019 , Educational Issues

كيف نجعل الصيف مفيداً للطلاب والمعلّمين

نضال قسوم

انتهى العام الدراسيّ أو هو على وشك أن ينتهي. وبالنسبة للطلبة والأساتذة والآباء والهيئات الإدارية المدرسية، هذا وقت الاسترخاء وأخذ قسط من الراحة، بدنياً وذهنياً، لوقت يطول أو يقصر تبعاً لمسؤوليات وظروف كلّ شخص.

وعلى أيّ حال، هناك مجموعة من الأنشطة المهمّة التي يجدر بالجميع مباشرتها حال أخذ استراحة كافية. فبالنسبة للمعلمين، هناك دائما بعض الواجبات المتعلقة بنهاية العام الدراسيّ، مثل التقارير الإدارية، والتنسيق مع الزملاء من أجل التخطيط للسنة الدراسية التالية، وقد يتضمّن ذلك النشاط والتنسيق حضور المعلّمين لورشات تدريبية. كما أنّ الكثيرين منهم يقضون بعض الوقت في مراجعة مؤشّرات أدائهم وتقييمهم خلال العام المنقضي ومتابعة ما قاموا بجمعه من ملاحظات حول نشاطهم التعليمي خلال السنة المنتهية، من تدريس واختبار وأنشطة صفية أو غير صفية، مما سيسمح بتحسين مختلف الجوانب من أدائهم التعليمي.

فواجب المعلمين جميعهم على اختلاف مستوياتهم مراجعة كلّ مهامهم ومتابعة تلك الملاحظات وإعطاؤها ما تستحقّ من وقت لبلورة حلول وأفكار مثمرة، من خلال التواصل مع الزملاء والاطّلاع على المواقع التعليمية المرجعية بحثاً عن مصادر ومراجع مفيدة وقيّمة. ومما يُنصح المعلمون بالاطّلاع عليه هو بعض المواقع التي تهدف إلى “التطوير المهنيّ العام للمعلم” و”استخدام الطالب للتكنولوجيا” وغيرها من مواقع مساندة للمعلم.

أما الطلبة فالواجب وتشجيعهم بل حثّهم على القراءة (مطالعة الكتب والمجلات)، وقد اعتاد الأطفال والفتية على اعتبار الصيف فترة انقطاع تامّ عن أيّ جهد تعلّميّ، والإجازة في نظرهم هي حق اكتسبوه بعد سنة دراسية شاقّة ولهم أن يُتركوا على راحتهم للعب أو الخمول. فهم يرون أنّ المطالعة جهد يجبرون عليه من طرف الكبار وليس نشاطاً ممتعاً سيقومون به بدافعية ذاتية. وهذه صورة باتت متجذّرة ولن يكون تغييرها بالشيء السهل، خاصة مع طغيان ثقافة المشاهدة (على الشاشات بمختلف أنواعها) على حساب ثقافة المطالعة، الأمر الذي يدعونا نحن الكبار للعمل بجدّ مع أبنائنا وطلبتنا لتحقيق تقدّم في تعديل هذه التصوّرات وتغيير ذلك السلوك، وهو ما سيحققّ فوائد جمة إذا نجحنا.

لكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ أولاً، يجب أن نخبر أبناءنا أنّنا نطلب منهم أو ندعوهم لمطالعة فقط ما يحبّون قراءته، ولن نفرض عليهم أيّ كتاب أو موضوع. وثانياً، علينا أن نطلعهم على التنوّع الهائل في المواضيع والأشكال المختلفة المتوفّرة في الكتب، سواء في الروايات أو الكتب التي تتناول مواضيع من الحياة والعالم.

وأذكر هنا مثالاً من واقع عملي مع الطلبة، إذ أخبرهم دائماً عند صدور فيلم (في مجال الفضاء أو الخيال العلميّ ذي صلة بمساق الفلك الذي أدرّسه) يشتهر ويأتي في سياق حديثنا: “عليكم بقراءة الكتاب فهو أفضل بكثير من الفيلم الذي تم استقاؤه منه”. ومن طرق تعريف الأبناء بالخيارات اللامحدودة في مواضيع الكتب أن نصطحبهم إلى المكتبات الكبيرة ونتركهم يتجوّلون ويستكشفون الكتب بين أرفف العرض وواجهاته. أمرٌ آخر يمكننا أن نفعله هو أن نأخذ مجموعة من الكتب المنوّعة خلال رحلات الصيف، خاصة في السيارات، إذ لا توجد شاشات في معظم السيارات بخلاف ما توفّره معظم رحلات الطيران. فالرحلات والمكث لأيام أو أسابيع في أماكن أخرى غير بيوتنا هي فرصة سانحة للأطفال لأخذ أحد تلك الكتب والشروع في قراءته. من هنا تكون البداية لتتطوّر الأمور ربما الى شغف بالقراءة.

وهناك مبادرات مهمّة متعلقة بالمطالعة، بعضها مشاريع وطنية وأخرى دولية تقوم على فكرة تطوّعية متمثّلة في “تحدّي المطالعة الصيفيّ”، والذي يأتي في عدة أنماط، بعضها عبر الإنترنت مثل مشروع شركة Scholastic، وهو مشروع مستمر منذ سنوات عديدة، حيث يقرأ الأطفال والفتية أيّ كتاب يحبّونه ويسجّلون مدّة القراءة على الموقع، محاولين الوصول لمستوى يؤهّلهم لتحقيق رصيد من المكافآت، بالإضافة إلى المساعدة في التبرّع بالكتب للأطفال المحتاجين. وهناك أيضا آلاف المعلمين الذين يشتركون في مثل هذه الفعاليات بشكل واسع من خلال تسجيل مجموعات من طلبتهم بل وصفوف ومدارس بأكملها في هذه المبادرات.

إنّ من أهمّ الدوافع لتطوير تحدّيات القراءة هذه هو تقليل الخسارة التي تحدثها العطلة الصيفية الطويلة في المهارات التعليمية، وخاصة في الرياضيات والقراءة، تلك الخسارة التي تستلزم من أربعة إلى ستة أسابيع لإعادة تهيئة التلاميذ في بداية العام الدراسيّ التالي (بكلفة تقدّر بـ 1500 دولار للطالب الواحد في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال). وقد ثبت أن أنشطة المطالعة الصيفية تقلل بشكل كبير من فقدان المهارات التعليمية لدى الأطفال خلال العطلة.

أخيراً، فإنّ على مسؤولي التربية والتعليم استثمار الصيف في التطوير، بإعادة النظر في المناهج، ومتابعة ما يفعله الآخرون عبر العالم، والاطّلاع على الأفكار والأنشطة الجديدة، إلخ. فالعالم يتغيّر، ويجب أن يواكب التعليم كلّ ذلك وأن يتكيّف بشكل أفضل خدمةً للإنسانية. فعلى التعليم أن  يتعامل مع أسئلة وقضايا حيوية ومصيرية ظهرت في السنوات الأخيرة: كيف يجب أن نتطرّق إلى التغيّر المناخيّ في الصفوف الدراسية (من التعليم الابتدائيّ وحتى الجامعيّ)؟ كيف علينا أن نتعامل مع الثورة الرقمية وتأثيراتها الإيجابية والسلبية؟ كيف يمكن للمدرسة أن تغيّر من سلوك الأطفال والمراهقين الغذائيّ والرياضيّ، وكذلك من نمط مشاهدتهم للشاشات (خاصة بالأجهزة المحمولة)، وعاداتهم الاقتصادية في الصرف والاستهلاك، ومهاراتهم في التخطيط وإدارة شؤونهم، الخ.

نعم، إن الصيف فسحة للاسترخاء وإعادة شحن البطاريات بدنياً وذهنياً. لكنّ الاسترخاء يجب أن لا يعني الخمول، فإعادة التهيئة والتنشيط يمكن أن تتمّ من خلال أنشطة ممتعة ومفيدة ومحفّزة، ابتداءً بالقراءة. فدعونا جميعا، معلمين وطلبة وآباء ومسؤولين تربويين، نحقّق الأمرين معاً: نستمتع بالصيف ونستفيد منه أيضاً.

ترجمة أ. بسمة ذياب لمقال نضال قسوم الصادر في جريدة عرب-نيوز يوم السبت 8 يونيو 2019:

http://www.arabnews.com/node/1507626